تونس: المديونيّة أو التنمية ؟

 

تونس: المديونيّة أو التنمية ؟

 

فتحي الشامخي، مدرس وباحث بقسم الجغرافيا

بكليّة الآداب والفنون والإنسانيّات / منوبة / تونس.

fatcham@yahoo.fr


 

ملخّــص

على عكس ما يدعيه الفكر الاقتصادي السّائد الذي يزعم أن الدّين الخارجي هو نصير التنمية في بلدان العالم الثالث، يبرز تحليل المديونيّة الخارجيّة لتونس، التي تعدّ بمثابة النموذج في هذا المجال، أنّ الحقيقة عكس ذلك. إن الأمر أسوأ من ذلك، حيث يمثل تسديد خدمة الدّين اليوم أحد أهمّ العراقيل التي تقف في طريق التّنمية في تونس، ممّا يستوجب إلغاء هذا الدّين.

Résumé

Contrairement à l’assertion de la pensée économique dominante qui prétend que la dette extérieure est une opportunité pour le développement des pays du Tiers Monde, l’analyse de la dette extérieure de la Tunisie, véritable cas d'école en la matière, nous montre qu’il n’en est rien. Pire, le paiement du service de la dette constitue aujourd’hui l’un des principaux obstacles qui se dressent sur la voie du développement de la Tunisie, d’où la nécessité de l’annulation, pure et simple, de cette dette.

مقدّمة

مُواصلة تسديد خدمة الدّين الذّي يزداد عبؤه باستمرار وذلك برغم ضخامة الأموال التّي تمّ إرجاعها والتّضحيات الجسيمة التّي تكابدها الطبقات الشعبيّة، أو استعمال الموارد الماليّة العموميّة من أجل خلق الشّروط التّي من شأنها أن تسمح بالرّفع في مستوى عيش هذه الطبقات الشعبيّة ؟ تلك هي المعادلة التّي تواجه تونس، والتّي تكتسي اليوم طابعا ملحّا نظرا لكونها تطرح بعد عقدين مثّل خلالها تسديد خدمة الدّين الأولويّة على حساب المصالح الحيويّة للمجتمع. إنّ تونس لا تفتقر إلى مؤهّلات لكي تشرع في التقدّم، بعد انقضاء نصف قرن على نيلها الاستقلال، نحو مجتمع عادل وحرّ ومزهر، بشرط أن تتخلص قبل ذلك من عراقيل عدّة من بينها المديونيّة الخارجيّة.

نشأ الدّين الخارجي بعد الاستقلال. وكان يفترض أن تمثّل القروض الخارجيّة أداة أساسيّة نحو "تحقيق التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة" المنشودة. لكن نظرا لمستواها المرتفع، ولتعدّد انعكاساتها الاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، أصبحت المديونيّة من أبرز معضلات الواقع التّونسي.

أولا- قيمة الدّين الخارجي لتونس وأعباؤه الاقتصادية

بلغ إجمالي دين تونس 57.8(1) مليار دينار سنة 2006، أي ما يمثل 140.4% من الناتج الدّاخلي الخام. ويتوزّع هذا الدّين ما بين دين داخلي بنسبة الثلثين (63.1%)، ودين خارجي بنسبة الثلث (36.9%)(2). ويمثل الدّين العمومي نسبة 41.7% من مجموع دين البلاد أو 26.5% من الدّين الداخلي و 92% من الدّين الخارجي. وتعكس هذه الوضعيّة الوزن الهامّ للدّولة في الاقتصاد التّونسي.

المديونيّة العامّة (مليون دينار تونسي)

التركيبة بالمائة %

سنة 2007

2007

2004

التوزيع

67,6

36,874

29.277

إجمالي المديونيّة الدّاخليّة

17,8

9,696

7.310

الدولة

32,4

17,646

17.004

المديونيّة الخارجيّة

24,4

13,301

13.209

الدولة

100,0

54,52

46.281

المديونيّة العامّة

42,2

22,997

20.519

الدولة

المصدر: البنك المركزي التونسي، وزارة الماليّة ووزارة التنمية والتعاون الدولي

أمّا إجمالي الدّين الخارجي (طويل ومتوسط وقصير الأمد) فإنّه تجاوز 24 مليار دينار، أي نسبة تداين تساوي58.5% من النّاتج الدّاخلي الخامّ، مقابل 57.9% سنة 1986. ومنذ ذلك التّاريخ تضاعف كلّ من الناتج الدّاخلي الخامّ بالأسعار الجارية وقائم الدّين حوالي ست مرات: حيث ارتفع الأول من 7.2 مليار دينار إلى 41.1 مليار دينار، فيما ارتفع قائم الدّين من 4.2 مليار دينار إلى 24.1 مليار دينار. ويعود جزء هامّ من هذا الدّين إلى الإدارة العموميّة بنسبة 67.5%، ثمّ الشركات العموميّة بنسبة 24.4%، فيما تقتصر حصّة الشركات الخاصّة على 8.1%. بناء على ذلك تمثّل الدّولة أهمّ عنصر في مجال المديونيّة الخارجيّة.

تطوّر إجمالي الدّين الخارجي لتونس (طويل ومتوسط المدّة) الوحدة : مليون دينار تونسي

2007

2005

2000

1995

1990

1985

1980

1974

السّنة

19728

20373

13691

9085

5810

3370

1260

.

الرصيد

3296

2716

2536

1481

1110,6

550

171

54

خدمة الدين

2425

2716

1884

982

739,7

340

90

36

رأس المال

871

840

652,0

499,0

370,9

210

81

18

الفوائد

المصدر: البنك المركزي التونسي: التقارير السّنويّة والتقارير حول المديونيّة

من ناحية أخرى، يُبيّن تطوّر هيكلة قائم الدّين الخارجي حسب طبيعة الدّائنين، خلال العقدين الأخيرين، تدعّم مكانة الدّائنين الخواصّ، حيث ارتفعت حصّة أسواق رأس المال الدوليّة من 36% سنة 1986 إلى 43% سنة 2006. كما تراجعت في الوقت نفسه حصّة مصادر الدّين العُموميّة من قائم الدّين الخارجي الإجمالي من 64% إلى 57%. كما يضاف إلى ذلك التقدّم الملحوظ لحصّة القروض قصيرة الأمد التّي ارتفعت من 3.7% سنة 1986 إلى 18.1% سنة 2006.

زيادة على ذلك، يُؤدّى تدعيم مكانة الأسواق الماليّة في إجمالي قائم الدّين إلى الزّيادة الهامّة في حصّتها في خدمة الدّين من 4.7% سنة 1997 إلى 31.2% خلال سنة 2006، ممّا يؤكد بدوره نزعة شروط المديونيّة الخارجيّة التّونسيّة نحو التّدهور.

أخيرا، يتحكّم أربعة دائنين لوحدهم بما يقارب 66% من قائم الدّين متوسّط وطويل الأمد سنة 2006، وهم على التّوالي: الأسواق الماليّة بنسبة 30.2% والدّولة الفرنسيّة بنسبة 13.8% والبنك الإفريقي للتنمية بنسبة 11.8% وأخيرا البنك العالمي بنسبة 10%.

1- هل أنّ تونس بحاجة إلى القروض الخارجيّة ؟

يزعم الفكر السّائد أنّ القروض الخارجيّة تُمكّن من تفادي "النّقص الهيكلي للادّخار المحلّي". بعبارة أخرى، تلتجئ الدّولة التونسيّة إلى الاقتراض الخارجي بُغية تمويل التّنمية وتحديث البلاد، أي بهدف تهيئة التّراب الوطني، والاستثمار في القطاعات الاقتصاديّة الإستراتيجية، وتحسين التعليم ونظام الصحّة العموميّة وتمويل البحث العلمي والثقافة، ومن أجل إقامة دولة القانون وتيسير الوصول إلى القضاء، وتمويل حماية البيئة، الخ. فهل تدعم أرقام الدّين في تونس هذا الاعتقاد السّائد؟.

بلغ مجموع القروض متوسطة وطويلة الأمد، التّي تحصّلت عليها تونس، من سنة 1986 إلى 2006ما قيمته 32.4 مليار دينار. كما بلغ مجموع المبالغ الماليّة التّي سدّدتها، خلال نفس الفترة، بعنوان خدمة الدّين، قيمة 36.2 مليار دينار. وبالتّالي، يُبرز ميزان المحاصيل الصّافية لرؤوس الأموال بعنوان القروض متوسطة وطويلة الأمد(3) حاصلا سلبيّا بقيمة 3.8 مليار دينار، أي ما يضاهي تقريبا قيمة إجمالي قائم الدّين سنة 1986 أو أكثر من قيمته سنة 1984(4).

نلاحظ إذا أنّ تونس قد سدّدت بعنوان الاقتراض الخارجي أكثر ممّا تلقّت. فهي بالتّالي مصدّرة لرؤوس أموال الاقتراض، ويتّضح بمقتضى ذلك أنّ تونس هي التّي تموّل المؤسّسات والأسواق الماليّة الدّوليّة وليس العكس. بعبارة أخرى، تُبرم الدّولة التّونسيّة قروضا جديدة لغاية وحيدة ألا وهي تسديد خدمة الدّين الخارجي، وليس بغاية تمويل التّنمية المزعومة. ومن خلال ذلك يتّضح لنا أنّ القُروض العُموميّة لا تخدم لا التّنمية ولا الاقتصاد، كما لا تفيد في شيء خلق مواطن الشغل، ولا تساهم في تحسين مستوى عيش التّونسيّين، ولا تخدم تعميم الدّيمقراطية على الحياة السّياسيّة، ولا تصلح أيضا لحماية البيئة.

نتيجة لذلك، تضطرّ الدّولة إلى توظيف جزء من محاصيلها الجبائيّة في تسديد خدمة الدّين، وذلك بالإضافة إلى مجموع ما تحصل عليه سنويّا من الخارج في شكل قروض جديدة. وهي إذ تفعل ذلك إنّما تحرم الأجراء، والطبقات الشعبيّة عموما، من موارد ماليّة من حقّها أن تتمتّع بها هي بكيفيّة تمكّنها من تحسين شروط عيشها.

2- لماذا إذا تواصل الدّولة التّونسيّة الاقتراض من الخارج ؟

إنّ سبب ذلك بسيط حيث أنّه كما رأينا تُستعمل القروض الجديد برُمّتها في تسديد خدمة الدّين. بعبارة أخرى يُستخدم الدّين الجديد في تسديد الدّين القديم. لكن نظرا إلى الطّبيعة الخاصّة لآليّة الدّين الخارجي، فإنّ شروط سَداده تخلق مزيدا من الدّين ذلك أنّ آليّة الدّين الخارجي ليست وسيلة تمويل عاديّة، وإنّما آليّة استعماريّة جديدة تتمثّل وظيفتها الأساسيّة في تحويل فائض قيمة العمل المحلّي نحو الرّأسمال الدّولي.

تتميّز الشّروط الجديدة للمديونيّة، التي برزت في بداية ثمانينات القرن العشرين، في ظلّ النّظام الرّأسمالي الجديد، بتثاقل ملحوظ لعبء المديونيّة. ممّا جعل الكثير من دول الجنوب تواجه صعوبات جمّة في سبيل ضمان تسديد خدمة الدّين. ولقد بلغ الأمر بالبعض منها مبلغا جعلها تُشرف على الإفلاس، وهو حال الدّولة التّونسيّة سنة 1986. في المقابل تمثّل ردّ الرأسماليّة العالميّة على هكذا أزمة دين، في إخضاع أقطار الجنوب إلى برامج التّعديل الهيكلي.

أُخضِعت تونس بدورها إلى هذا البرنامج سنة 1986. في البداية، لم يتقّبل النظام المحليّ سياسة التعديل بالتّرحاب محاولا تجنّبها ما استطاع، لكنّ تضافر الصّعوبات في فترة وجيرة من الزّمن لا تتعدّي السّنتين، منها الأزمة الماليّة وحالة شبه إفلاس الدّولة خلال سنة 1986، وكذلك إقالة الوزير الأول محمّد مزالي ثمّ إحالته على القضاء، وهو الذّي كان يُعدّ خليفة مُحتملا "للمُجاهد الأكبر"، وأخيرا انقلاب 7 نوفمبر 1987، مكّن من وضع برنامج التعديل الهيكلي حيّز التّنفيذ الفعلي. بعد ذلك، سنة 1995، تمكّن الرّأسمال الأوروبي من إحكام هيمنته على تونس من خلال اتفاق التّبادل الحرّ. ومنذ ذلك التّاريخ أصبح يُشرف، بمعيّة صُندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، على السّياسة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للبلاد التّونسيّة.

3- كم يكلّف تونس سداد خدمة الدّين ؟

بلغت خدمة الدّين الخارجي سنة 2006، 3.9 مليار دينار لسداد رأس المال و ¼ للفوائض). أمّا وزنها بالنّسبة للنّاتج الدّاخلي الخّام فإنه قد ارتفع من 9.4% سنة 1986 إلى 9.9% سنة 2006. وعلى سبيل المقارنة، بلغ إجمالي ميزانيّة التعليم العُمومي (تصرّفا وتجهيزا) بأصنافه الثّلاثة بالإضافة إلى البحث العلمي والتكوين المهني 2.9 مليار دينار، فيما بلغت ميزانيّة الصحّة العموميّة 0.7 مليار دينار. كما التهمت خدمة الدّين ما بين سنة 1984 و 2006 أكثر من 37 مليار دينار. لكن وعلى الرّغم من هذا النّزيف الهامّ، تضاعف قائم الدّين 6.2 مرّة خلال نفس الفترة، وأكثر من ثلاثين مرّة منذ 1970.

يُمكّننا مؤشّر الدّين بحساب السّاكن من التّعرّف على "الثّقل الاجتماعي" لخدمة الدّين الخارجي. ارتفع هذا المؤشّر بالنّسبة إلى تونس من 90 دينارا سنة 1986 إلى 383 دينار سنة 2006. هكذا يكون عبء خدمة الدّين قد تضاعف 4.2 مرّة خلال عقدين من الزّمن. في الأثناء تضاعف النّاتج الدّاخلي الخامّ بحساب الفرد (بالأسعار الجارية) 4.1 مرّة. ويتّضح من خلال ذلك أنّ خدمة الدّين تحُول دون ترجمة النّمو الاقتصادي إلى تحسّن فعلي لمُستوى عيش التونسيّين، وذلك نتيجة لتحويله وجهة جزء من فوائد هذا النموّ نحو الخارج.


 


 


 



 

عندما نقارن ما يتطلّبه تسديد خدمة الدّين مع كُلفة الاستثمار العُمومي نُدرك إلى أيّ مدى تتسبّب هذه الخدمة في تحويل وجهة المَحاصيل المَاليّة العُموميّة من الاستثمار المُنتج نحو الرّأسمال الخارجي. حيث يُؤكّد المُؤشّر(5) الذّي نحصل عليه الاتجاه الذّي لحظناه سابقا، ذلك أنّ حصّة خدمة الدّين قد ارتفعت مُقارنةً بمبلغ هذا الاستثمار من 2.5 سنة 1986 إلى 4.2 سنة 2006، أي بعبارة أخرى، تُكلّف خدمة الدّين أربعة أضعاف قيمة الاستثمار العُمومي العامّ.

تراجع مستوى الإنفاق العمومي في الصحّة(6) بالنسبة للناتج الدّاخلي الخامّ من 2.3% سنة 1955 إلى 1.6% سنة 2006. كما انخفض بالمقارنة مع مجموع مصاريف الدّولة، حيث تراجعت حصّتها النسبيّة من 5.7% سنة 1995 إلى 5.2% سنة 2006.

تدلّنا العلاقة ما بين خدمة الدّين ومجموع النفقات العموميّة في مجال الصحّة عن العبء الذّي تمثله خدمة الدين بالنسبة للأموال المخصّصة للصحّة العموميّة. ويبرز المؤشّر(7) الذّي نحصل عليه من خلال هذه العلاقة ازديادا ملحوظا لهذا العبء، حيث ارتفع المؤشر من 3.753 سنة 1995 إلى 5.588 سنة 2006. بعبارة أخرى، تكلّف خدمة الدّين الشعب التونسي ما يربو عن 5.6 من ميزانيّة الصحّة العموميّة لسنة 2006.

أمّا بالنّسبة للنّفقات العموميّة الإجماليّة(8) في مجال التعليم(9) بعلاقة بالنّاتج الدّاخلي الخامّ فإنّها قد انخفضت من 6.7% سنة 1995 إلى 6.1% سنة 2000 لترتفع إلى 7.1% سنة 2006. بالتّوازي مع ذلك، انخفضت الحصّة النسبيّة لنفقات التعليم بالمقارنة مع إجمالي الإنفاق العمومي وكانت على التّوالي 17.2% 1995 ثمّ 15.4% 2000 لترتفع إلى 21.9% سنة 2006.

لكن على الرّغم من ذلك ليس بإمكان هذه الزّيادة في نفقات التّعليم العُمومي أن تَجبر الضّرر الذّي لحق المؤسّسة التربويّة، بسبب التراجع الفاجع لهذه النفقات خلال عقد التسعينات. في الحقيقة، ليست الزّيادة المسجلة في السّنوات الأخيرة سوى النتيجة المنطقيّة للارتفاع السّريع الذي سجله عدد الطلبة، الذّي تضاعف 3.2 مرّة ما بين 1995 و 2006. وبالتّالي بالكاد تستطيع الزيادة في ميزانيّة التعليم تغطية الحاجيات الماليّة التّي يتطلبها توافد هذا الكمّ الهائل من الطلبة(10).

4- من المستفيد من القروض الخارجيّة ؟

يتنزّل تسديد خدمة الدّين منذ عدّة سنوات في وضع محلّي اقتصادي واجتماعي موسوم بصعوبات متنامية، ممّا أثّر سلبا على ميزانيّة الدّولة، التي تمرّ من خلالها أموال التسديد نحو الخارج.

نعلم أوّلا أن برنامج التّعديل الهيكلي قد أوكل للدّولة مهمّة أساسيّة تتمثّل في ضمان تسديد خدمة الدّين الخارجي. ولقد رأينا أن عبء هذه الأخيرة في ازدياد مستمرّ. وهو ما يطرح في حدّ ذاته تحدّي كبير على الماليّة العموميّة. ويبدو تحقيق هذه المهمّة صعب للغاية بالنظر لكونها تندرج في ظرفيّة تتّسم بتقلص الموارد الرّيعيّة التقليديّة للدّولة.

إنّ الأمر يتعلّق بالخصوص بالموارد غير الجبائيّة والتّي تمثّل أكثر من 12.8% من المقابيض العاديّة لميزان الدّولة سنة 2006، مقابل 29.6% سنة 1984. وكانت هذه الموارد تتأتّى بما يربو عن 60% من استغلال النفط. ثمّ بدرجة ثانية من الضرائب غير المباشرة المرتبطة بالواردات. ولقد انخفضت حصّة هذه الرّسومات والأداءات الجمركيّة بالنّسبة للمقابيض الجبائيّة من 22.8% سنة 1995 إلى 12% سنة 2000 ثمّ إلى 6.2% سنة 2006، كنتيجة لتفكيك الحماية الجمركيّة(11) التّي فرضها اتفاق الشّراكة.

كما نلاحظ، في الوقت الذّي ما انفكّ فيه عبء خدمة الدّين يتزايد، وبالتّالي سداد الدّولة، تسجّل الموارد التقليديّة لهذه الأخيرة تقلصا ملحوظا. ولقد كان لهذه الوضعيّة انعكاسات سلبيّة عديدة: الالتجاء إلى مزيد الاقتراض، والضغط على المصاريف الاجتماعيّة والبحث عن موارد تمويل جديدة.

بالإضافة إلى "سياسة التقشف"، التّي أشرنا إليها أعلاه، من خلال الحديث عن قطاعي التّعليم والصحّة، بإمكاننا أن نضيف هنا الازدياد المستمرّ للقروض الخارجيّة. لقد سجّلت قيمة القروض الخارجيّة ارتفاعا يقدّر بمعدّل سنوي بقيمة 4.6 مليار دينار، خلال الثمانينات، ثم 1.3 مليار دينار خلال التسعينات، و 2.4 مليار دينار خلال السّنوات الأولى بعد الألفين.

أمّا بخصوص الموارد الماليّة الجديدة، فإنّ الأمر يتعلّق أوّلا بإعادة تنظيم نظام الجباية، ثمّ بسياسة الخوصصة التّي تندرج في إطار برنامج التعديل الهيكلي.

لقد مكّنت إعادة هيكلة نظام الجباية الدّولة من تدارك النقص في الموارد المترتّب عن تقلص الموارد الرّيعيّة، من ناحية، ومن مواجهة جزئيّة للارتفاع المتواصل لخدمة الدّين، من ناحية أخرى.

تمثلّ الموارد الجبائيّة سنة 2006 أكثر من 87% من الموارد العاديّة لميزانيّة الدّولة، مقابل 70% سنة 1984. ويتحمّل عبء هذه الضرائب على وجه الخصوص الأجراء ومداخيل الطّبقات الشّعبيّة. وذلك من خلال الأداءات المباشرة التّي أصبحت تمثل أكثر من 34% من الموارد العاديّة للدّولة مقابل أقلّ 17% سنة 1984. وتساهم الأجور إلى مستوى 42% من جملة الأداءات المباشرة، في حين أنّها لا تتلقّى سوى ثلث النّاتج الدّاخلي الخامّ. في نفس الوقت، تساهم مرابيح الشركات بما يساوي 44.7% من قيمة الأداء المباشر، بينما نجدها تحصل على ما يزيد عن 50% من نفس النّاتج.

تطور مقابيض الدولة العاديّة (مليون دينار تونسي)

2006

2000

1995

1980

مليون دينار

3106,8

1596,9

810,9

163,7

الضرائب المباشرة

4826,3

3729,2

2579,0

444,5

الضرائب غير المباشرة والمكوس

7933,1

5326,1

3389,9

608,2

إجمالي المقابيض الجبائيّة

1162,9

647,3

721,7

226,1

إجمالي المقابيض غير الجبائيّة

9096,0

5973,4

4111,6

834,3

مجموع مقابيض الدولة العاديّة

المصدر: البنك المركزي التونسي. المعهد الوطني للإحصاء

تضاعفت قيمة موارد الجباية بعنوان الأداء المباشر 2.6 مرّة لترتفع بذلك من 1109 مليون دينار إلى 3107 مليون دينار، ما بين 1997 و 2006. في الوقت ذاته، تضاعف النّاتج الدّاخلي الخامّ الاسمي 1.9 مرّة فقط. وهو ما يعطينا فكرة واضحة عن طبيعة هذا المسار الذّي يؤدّي إلى تهرئه مستمرّة للمقدرة الشرائيّة للأجور، نظرا لكونها تساهم بالقسط الأوفر في تحقيق الموارد الجبائيّة. وهو ما يدلّ عليه أيضا تطوّر الضريبة الوسطى على الأجور التي ارتفعت من 8.2% سنة 1995 إلى 10.1% سنة 2000 ثمّ إلى 11.1% سنة 2004(12).

من ناحية أخرى، تساهم الأداءات غير المباشرة بنسبة 53% في المقابيض العاديّة. لم تتغيّر هذه النّسبة كثيرا منذ منتصف الثمانينات. وتتغذّى هذه الأداءات بالخصوص بواسطة الأداء على القيمة المضافة ورسوم الاستهلاك(13). وتطال هذه الأخيرة بشكل خاصّ الطبقات الشعبيّة، أكثر من الأقليّة الغنيّة. كما يبدو الوزن النسبي لهذه الأداءات مرتفع ممّا يعبّر في حدّ ذاته على الطبيعة الاجتماعيّة غير العادلة للنظام الجبائي التّونسي.

عرف مسار الخوصصة الذّي انطلق سنة 1987، تسارعا ملموسا منذ سنة 1998. ولقد تمّ حتّى اليوم التّفويت في 256 مؤسّسة عموميّة أو إسناد امتياز بسعر إجمالي بلغ 5865 مليون دينار(14). كما تمّت الخوصصة الكاملة لـ 108 مؤسّسة، فيما وقعت الخوصصة الجزئيّة لـ 16 مؤسّسة أخرى، وتصفية 19 مؤسّسة. شملت الخوصصة كافة القطاعات الاقتصاديّة. من حيث القيمة، يأتي قطاع الخدمات في رأس القائمة بنسبة 81% من إجمالي محصول الخوصصة، ثم الصّناعة بنسبة 18% وأخيرا الفلاحة بحصّة لا تزيد عن 0.7%. أمّا من حيث عدد المؤسّسات المخوصصة فإن الخدمات تمثل 54%، فيما تمثل المؤسّسات الصّناعيّة 38% والمؤسّسات الفلاحيّة ومقاولات الصّيد 8%.

مكّنت الخوصصة، في ظرف عقدين، الرّأسمال الأجنبي من شراء قطاعات صناعيّة وخدماتيّة بأكملها. وكنتيجة لذلك ارتفعت حصّة هذا الرّأسمال في إجمالي محصول الخوصصة إلى مستوى 87% أي ما قيمته 5,1 مليار دينار. لقد تمّ تبنّي هذه السّياسة التّي لها تأثير حاسم على مستقبل تونس والتونسيّين، ثمّ الشّروع في تطبيقها، في غياب أيّ شكل من أشكال الاستشارة الديمقراطيّة. كما أنّ آليّاتها وإجراءات تنفيذها يشُوبها التّعتيم بالإضافة لكونها لا تخضع لأيّ رقابة ديمقراطيّة، وبالتّالي تفتح الباب على مصراعيه للمُمارسات المشبوهة وذات الطابع المُضاربي.

بالإضافة إلى عرض كلّ ما له قيمة تبادليّة ضمن الشّركات العموميّة، أي التّي بإمكانها أن تمكّن من الحصول على النقد المنعش لخزائن الدّولة، شُرع منذ عدّة سنوات في استكشاف مصدر تمويل جديد يتمثّل في نظام الامتيازات. هكذا إذا أصبح بإمكان الدّولة بفضل نظام "شيّد وامتلك واستغلّ" (Build, Own & Operate )(15) تحقيق هدفين بضربة واحدة. ففي كلّ مرّة تبيع فيها امتيازا تحصل على المال و"تقتصد" بالمناسبة ذاتها، المعادل على مستوى الاستثمار المنتج الذّي كان عليها إنفاقه في صورة عدم بيع الامتياز. تشمل أغلب الامتيازات التّي تمّ بيعها إلى حدّ الآن إنجاز وحدات تجهيزيّة كبيرة في قطاعات الاتصالات والنقل والأشغال العموميّة وإنتاج الطّاقة، الخ.

يساوي إجمالي محصول الخوصصة نسبة 24.6% من إجمالي قائم الدّين الخارجي سنة 2007، و نسبة 15.2% فقط من المبلغ الإجمالي لخدمة الدّين الذّي تمّ تسديده ما بين 1987 و 2007. فماذا نستنتج من هذه المقارنة ؟ أنّ جزءا لا يستهان به من الشركات العموميّة قد تمّ بيعها بسعر هو، في نهاية الأمر، ساخر بالمقارنة مع الدّين الخارجي الذّي تجرّه البلاد. فهل هذا يبرّر جرّها إلى مغامرة المديونيّة الخارجيّة؟ وهل هذا يشرّع مواصلة تسديد خدمة الدّين ؟ طبعا لا ! إنّ المديونيّة، على غرار الخصوصصة، تنتج من المنطق الاستعماري ذاته، والذّي يتعارض مع مصالح تونس ومصالح الطبقات الشعبيّة.

لكن رغم كلّ ذلك هناك رابحون في هذه القضيّة: إنّهم أصحاب رؤوس أموال الاقتراض، أي الرّأسماليّون الأجانب الذّين يمثّلون المستفيدون الأساسيّين من آليّة الدّين الخارجي ومن الخوصصة، بينما يتحمّل الأجراء والمنتجون الصّغار المحليّون عبئها المالي، وذلك بواسطة الضّرائب، والرّسوم والمكوس، وكذلك على مستوى تدهور القدرة الشّرائيّة، والخدمات الاجتماعيّة والحقوق بشكل عامّ.

ثانيا- مآل التوجهات الاقتصاديّة والاجتماعيّة اللّيبراليّة الجديدة

اتّسمت الأشهر الأولى من سنة 2008 في تونس بأطول حركة احتجاج شعبيّة شهدها الإقليم المنجمي في جنوب غرب البلاد. تمثّل هذه الأحداث التعبير الجماهيري الأوّل عن الأزمة الاجتماعيّة التي تعاني منها المنطقة، والبلاد بشكل عامّ، منذ عدّة سنوات. ألا تتطلّبت الاستجابة إلى المطالب المشروعة للطّبقات الشعبيّة فسخ الدّين الخارجي؟

بصفة عامّة، وبغضّ النّظر عن الشّروط الموروثة عن فترة التسيير البيروقراطي، يعدّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي الرّاهن المآل المنطقي للتوجهات الاقتصاديّة والاجتماعيّة اللّيبراليّة الجديدة المعتمدة منذ عقدين وللنظام السّياسي الذّي يسيّرها عن طريق الدّمج بين قدر ما من الليبراليّة الاقتصاديّة الخاضعة لرقابة البيروقراطيّة، وكذلك تراجع الدّور الاجتماعي للدّولة والذّي يحاول، بعزم لا ينثني وبواسطة مجموعة من المسكّنات المتنوّعة، التظاهر بمراعاة مصالح كلّ من الذّئب والخروف. ومن طبيعة هذا النظام بالخصوص أن يلحق أضرارا بالاقتصاد الوطني وبمستوى عيش الطبقات الشعبية. والأدلة على ذلك تؤكدها كل المؤشرات والأحداث والتحليل التالي يستعرض البعض منها:

1- تعميق الأزمة الداخلية للبلاد

مما لا شك فيه أن تفكيك الحماية الجمركيّة يعني بطريقة أو أخرى تعريض اقتصاد البلاد والسوق المحلية الى أخطار مدمرة. فالاندماج صلب السّوق العالميّة والتّبعيّة المتنامية التّي تنجم عن هذا الاندماج تفضي إلى تنامي ثقل المنافسة العالميّة السّاحق داخل السّوق المحليّة، إذ "يرافق انفتاح الاقتصاد على الخارج منافسة متزايدة، تضغط بثقلها على قطاعات اقتصاديّة أساسيّة"(16) وتشكل عبئا على مستوى ميزانيّة الدّولة بحكم ضرورة تمويل "برنامج تأهيل" الشركات، وتجهيزات البنية الأساسيّة والموارد البشريّة، رغم أنه برنامج مشكوك في فعاليّته. فبفضل هذا البرنامج الذّي انطلق سنة 1996 تلقّت 2711 شركة خاصّة إلى حدود شهر مارس 2008، مبلغ 0.609 مليار دينار في شكل منح عموميّة(17). وقد واكب ذلك ارتفاع حاد لأسعار أغلب الموادّ الأساسيّة منذ سنة 2005، وهو ما أثر بشكل كبير على السوق المحلّية التي رفعت عنها الحماية الجمركيّة بشكل تامّ، بالإضافة إلى كونها تشهد تبعيّة متزايدة للسّوق العالميّة بالنّسبة لجزء هامّ من احتياجاتها من الموادّ الأوليّة، ومواد التجهيز، ومن الموادّ الغذائيّة والطاقيّة.

وكنتيجة لكلّ ذلك، سجّلت أسعار التفصيل لمجمل الموادّ الأساسيّة في السّوق المحليّة ارتفاعا كبيرا، خاصّة خلال السّداسي الأول من سنة 2008: بنسبة 8.7% لأسعار الموادّ الغذائيّة حيث مثلت الزيادة في الزّيت (17.1%)، والحليب ومشتقّاته (15.1%)(18)، ثم الغلال بنسبة زيادة بلغت (10.7%)، والخضر (8.5%)، والحبوب ومشتقّاتها (9.5%). كما شمل ارتفاع الأسعار خدمات النقل بزيادة بلغت (5.6%)، والسّكن (4.6%)، وكذلك الحال بالنسبة لأسعار المحروقات التّي ارتفعت بنسبة (17.4%) ما بين سبتمبر 2007 وأوت 2008. أخيرا لم تسلم مصاريف التعليم من هذا الارتفاع حيث سجّلت هي الأخرى زيادة بنسبة (6.4%).

2- تدهور مؤشر التنمية البشرية

طالت هذه الزّيادة بحدّة الطبقات الشعبيّة حيث انضاف مفعولها إلى التّأثيرات السّلبيّة لعقدين من التعديل الهيكلي. وقد أثّرت بشكل خاصّ على سكان الجنوب الغربي للبلاد، حيث تراكب مفعول ارتفاع الأسعار مع مضاعفات أزمة الشغل متحوّلا تبعا لذلك إلى محرّك الانتفاضة الشعبيّة.

وكعادتها، ردّت السّلطة بواسطة القمع البوليسي على تشكيات ومطالب جميع أصناف ضحايا سياسة التّعديل الهيكلي. فيما شرع جهاز دعايته، ككلّ مرّة في مثل هذه المناسبات، في اجترار نفس الترّهات حول زيادة "عبء" التّعويض الذّي توظّفه الدّولة من أجل "دعم الشرائح الاجتماعيّة المعوزة"(19) ومزاعم انعكاساتها الوخيمة على توازن ميزانيّة الدّولة.

لقد تمّ إنشاء "الصّندوق الوطني للتعويض" في بداية السّبعينات، بهدف دعم أسعار بعض موادّ الاستهلاك الأساسيّة، مثل الخبز والزّيت والحليب والسكر وكذلك الأسمدة الكيماويّة والورق المدرسي، الخ. حتّمت إنشاء الصّندوق بالإضافة إلى الضرورة الاجتماعية ضرورة سياسيّة، حيث أنّ استقرار النّظام كان يتطلّب من جانب الدّولة ضمان الشّروط الدّنيا لإعادة إنتاج قوّة العمل على اثر التدهور الملموس لشروط العيش لأغلبيّة السكّان خلال الستّينات.

ولكن سرعان ما أصبح صندوق التّعويض "عبئا على ميزانيّة الدّولة" والذّي يتوجّب التّخلص منه مباشرة بعد ظهور أزمة الدّين في تونس في بداية الثمانينات. لذلك حاولت الدّولة حذف صندوق التّعويض سنة 1984، على الرّغم من غريزة البقاء الحادّة لديها، وذلك عملا "بنصائح" خبراء البنك العالمي وصندوق النّقد الدّولي، الذّين حلّوا بتونس على خلفيّة أزمة الدّين. لكنّ الفشل الذّريع الذّي منيت هذه المحاولة لم يثنيها فيما بعد من نهج سياسة هدفها خنق الصّندوق، وذلك عبر التخفيض في عدد الموادّ المدعّمة، من ناحية، والقيام بعدّة "تعديلات" لأسعار الموادّ الأخرى، من ناحية ثانية. في الواقع، لم يتسنّى للصّندوق البقاء إلا بسبب استعصاء الصّعوبات الاجتماعيّة، أو حتّى احتدادها.

بلغ مستوى مصاريف صندوق التّعويض نسبة 4% من الناتج الدّاخلي الخامّ و6.2% من إجمالي الاستهلاك الخاصّ سنة 1984. فيما انخفض الأول سنة 1995 إلى 1.4% والثاني إلى 2.9%، ثمّ إلى 0,8% و 1.3% سنة 2006. يؤكّد هذا التّراجع الاتجاه العامّ والمتمثّل في انسحاب الدّولة من الدّائرة الاجتماعيّة.

يبدو "عبء" صندوق التّعويض متواضعا، عندما نقارنه بعبء خدمة الدّين، حيث تبلغ قيمة الأول 0.3 مليار دينار، فيما تبلغ قيمة الثّاني 3.9 مليار دينار، أي أنّ نفقات التعويض تساوي 8.2% فقط من كلفة خدمة الدّين. كما تبدو نفقات صندوق التعويض متواضعة عندما نقارنها بمختلف "الهدايا" التّي تمنحها الدّولة للرّأسماليين، منها على سبيل المثال مبلغ 0.609 مليار دينار التّي تلقاها هؤلاء في إطار "تأهيل القطاع الصّناعي". لكن بالرّغم من كلّ ذلك وحدها المعونات التّي تخصّصها الدّولة لدعم أسعار بعض المواد الأساسيّة هي التّي تطرح إشكالا بالنّسبة "للرّؤوس المفكّرة"

يأتي بعد ذلك انخفاض أو حتّى التّراجع النّسبي للمقدرة الشّرائيّة للأجراء الذّين يمثّلون، حسب نتائج تعداد السكّان لسنة 2004، 71.5% من مجموع السكّان النّشيطين. وقد بلغ سنة 2006 متوسط الأجر الشهري الاسمي 575 دينار(20)، فيما بلغ الأجر الأدنى الصّناعي المضمون 231,3 دينار بالنّسبة لنظام 48 ساعة أسبوعيّة و 200.7 دينار لنظام 40 ساعة ثمّ 7.129 بالنّسبة لأجرة يوم عمل فلاحي(21).

خسرت الأجور خلال الثمانينات 15% من قدرتها الشّرائيّة(22). كما تراجع الأجر الوسطي بالقيمة الحقيقيّة من مؤشّر 100 إلى مؤشّر 98.5 ما بين 1984 و 2000(23). أمّا بالنّسبة للأجر الأدنى فإنّ قيمته بالسّاعة سنة 1983 كانت 0,484 دينار (نظام 40 ساعة) و0.457 (نظام 48 ساعة) و 2.640 دينار بالنّسبة للأجر اليومي الفلاحي. ثمّ تطوّرت مختلف هذه الأجور بالأسعار الجارية سنة 2006 على النحو التّالي: 1.158 دينار، و1.112 دينار، و 7.129 دينار.

عندما نأخذ أسعار 1983 بمثابة سنة أساس، نحصل على زيادة في مؤشّر الأسعار لسنة 2006 تساوي3.03 أضعاف، في الأثناء تضاعفت القيمة الحقيقيّة للأجور الدّنيا بـ 2.4 بالنسبة للصّناعة و2.7 بالنّسبة للفلاحة. أو بعبارة أخرى، تدحرجت هذه الأجور بالقيمة الحقيقيّة سنة 2006 بنسبة 15% مقارنة بمستواها سنة 1983. كما تضاعف الناتج الدّاخلي الخام بحساب الفرد بقيمة أسعار 1983، خلال نفس الفترة 4.9 مرّة. وهو ما يبرز خسارة معتبرة على مستوى المقدرة الشّرائيّة لما لا يقلّ عن 280 ألف عاملة وعامل، يمثّلون 13% من مجموع الأجراء، يحصلون على الأجر الأدنى.

يأتي بعد ذلك بقاء نسبة البطالة في مستوى مرتفع، على الرّغم من التّراجع الطّفيف، الذّي تشير إله نتائج تعدادا السكّان الأخيرين من 16.3% سنة 1994 إلى 14.1% سنة 2004. في الواقع، لا يزال التّشغيل على غاية من الهشاشة، وهو ما تدلّ عليه عديد الظواهر السلبيّة مثل الارتفاع الحادّ لبطالة الشّباب، مع تطوّر ظاهرة لم تكن معروفة قبل 1995، وهي بطالة حاملي الشهادات الجامعيّة الكثيفة، وكذلك ظاهرة تضخّم القطاع غير المهيكل الذّي يشغل، حسب المصادر، ما بين 30 و 45% من النّشيطين المشتغلين. إذا ليس من الغريب أن تمثّل البطالة والمقدرة الشّرائيّة السّببان المباشران للأحداث الأخيرة في الحوض المنجمي.

لقد بات من الواضح أنّ الليبراليّة الاقتصاديّة وانسحاب الدّولة من الدّائرة الاجتماعيّة المتزايد يكلّفان المجتمع ثمنا عاليا، على مستوى المقدرة الشّرائيّة والشّغل ومستوى العيش. ولاستكمال هذه اللّوحة القاتمة، بإمكاننا أن نظيف باقتضاب شديد بأنّ النّتيجة الطبيعيّة لمثل هذه الخيارات إنما هو "تنامي النفقات الأمنيّة لدولة أصبحت رهينة اللّوبيات التّي تنشط من أجل استخلاص أوفر الأرباح في أقرب الآجال من الليبراليّة الاقتصاديّة التّي تطبّق في غياب اللّيبراليّة السّياسيّة، وهو ما ينتج عنه خنق كلّ إمكانيّة احتجاج أو استنجاد"(24).

أخيرا، سنحاول التثبّت من صحّة تأكيداتنا من خلال طرح السّؤال على "تقرير التّنمية البشريّة في العالم" الذّي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حول نتائج تونس على مستوى التّنمية البشريّة، أي تقييم نتائجها بالمقارنة مع مجموع أمم العالم.

نلاحظ أنّ تونس ما انفكت منذ 1993 تتراجع في التّرتيب الدّولي حسب مؤشّر التّنمية البشريّة، وذلك من المرتبة 78 إلى المرتبة 89 سنة 2003 ثمّ المرتبة 98 سنة 2006. بعبارة أخرى تركت تونس ثلاثة عشر بلدا يتقدّمون عليها، خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة. ويرافق هذا التقهقر على مستوى الترتيب حسب التّنمية البشريّة، تعمّق التفاوتات الاجتماعيّة، وهو ما يبرزه فارق التّرتيب على مستوى التّنمية البشريّة إلاّ التّرتيب حسب الدّخل الفردي بحساب معادل القدرة الشرائيّة بالدّولار الأمريكي، وذلك من إلاّ 13 سنة 1993 إلى إلاّ 20 سنة 2000 ثمّ إلاّ 23 سنة 2005. وبالتّالي كان بإمكان تونس، بالنظر إلى ما حقّقته من نتائج اقتصادية، تحقيق نتائج أفضل بكثير من أجل الرّفاهة الاجتماعيّة لسكّانها.

الخاتمة

لقد حاولنا أن نبيّن من خلال هذا المقال، أنّ المديونيّة، لا فقط لا تمثل مورد تمويل للبلاد، كما يزعم الفكر الاقتصادي السّائد، بل على العكس هي آليّة لتحويل جزء متنام من الدّخل المحلي نحو المصالح الرّأسماليّة العالميّة، وذلك على حساب متطلبات التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة. كما تعدّ المديونيّة من بين الأسباب الرئيسيّة التّي تفسّر المرتبة المتأخرة نسبيّا التي تحتلها تونس على مستوى التنمية البشريّة على الصعيد العالمي، وذلك برغم ما تزخر به البلاد من مؤهّلات بشريّة، وخاصّة تواصل النموّ الاقتصادي، خلال الخمسين سنة الأخيرة، بمعدّل 5%.

إنّ تسرّب الأزمة الاقتصاديّة العالميّة إلى تونس منذ أواخر 2008، بعد أن كابدت البلاد انعكاسات الأزمتين الغذائيّة والطاقيّة، يعيد طرح قضيّة الاستمرار في خدمة الدّين في الوقت الذي ما فتأت فيه المطالب الاجتماعيّة تزداد تفاقما وفي مقدّمتها الشّغل والمقدرة الشرائيّة. أليس من المشروع أن توظف تونس هذه الأموال في إشباع حاجات سكانها الأساسيّة، ناهيك وقد سدّدت الأموال التّي اقترضتها أضعاف المرّات ؟.

المراجـــع العربية

1- البنك المركزي التونسي : "الدين الخارجي لتونس. 2006" تونس، أكتوبر 2007 (بالفرنسيّة).

2- البنك المركزي التونسي : "التقرير السنوي. 2005" تونس، جوان 2006 (بالفرنسيّة).

3- البنك المركزي التونسي : "دوريّة الظرف الاقتصادي" عدد 79، تونس، مارس 2008 (بالفرنسيّة).

4- البنك المركزي التونسي : " التقرير السنوي. 2006" تونس، جوان 2007 (بالفرنسيّة).

5- الاتحاد العامّ التونسي للشغل: "التقرير الاقتصادي والاجتماعي" المجلس الوطني، ديسمبر 2001.

6- المعهد الوطني للإحصاء، وزارة التنمية الاقتصاديّة والتعاون الدّولي:"التقرير السّنوي حول خصائص أعوان الوظيفة العموميّة. سنة 2004" تونس، ماي 2006 (بالفرنسيّة).

المراجع بالفرنسية

7- BEDOUI A. « Dilapidation Economique Budgétaire en Tunisie (DEBT)». ACTLMG, nov. 2003.

8- PNUD : « Stratégie de réduction de la pauvreté. Etude du phénomène de la pauvreté en Tunisie ». 1994, 114p ;

9- PNUD, Rapport mondial sur le développement humain 2007/2008. La lutte contre le changement climatique : un impératif de solidarité humaine dans un monde divisé. New York, 2007. 382p

10- TOUSSAINT E. : « La finance contre les peuples. La bourse ou la vie ». CADTM, CETIM, SYLLESPSE 2004. 638 p.

مواقع الإنترنت

http://www.privatisation.gov.tn/

http://www.bct.gov.tn

http://www.oid-ido.org

http://www.cadtm.org

http://www.investintunisia.tn/

www.ins.nat.tn

www.investintunisia.tn

www.tunisianindustry.com

www.tunisie.com/APIA

www.bawaba.gov.tn

www.tunisieinfo.com

www.tunisie.com


 

1) بحساب العملة المحليّة وباعتبار الدّين الخارجي قصير المدى الذّي تبلغ قيمته 4,355 مليون دينار تونسي.

2) البنك المركزي التّونسي "الدّين الخارجي لتونس سنة 2006" تونس، أكتوبر 2007 الصفحة 7 (باللغة الفرنسيّة).

3) يساوي ميزان المحاصيل الصّافية لرؤوس أموال الاقتراض هو محصول القروض الجديدة (من ناحية المقابيض +) إلاّ تسديد خدمة الدّين (من ناحية المصاريف -).

4) تبعا لتوصيات صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي قرّرت الحكومة التّونسيّة حذف دعم المواد الغذائيّة الأساسيّة بداية من 1 جانفي 1984 ممّا أدّى بالخصوص إلى مضاعفة سعر الخبز. كما نتج عن هذا القرار انتفاضة شعبيّة (انتفاضة الخبز). بعد عدّة أيّام من الاضطرابات الخطيرة، التّي تسبّبت في وفاة قرابة 50 شخصا (حسب حصيلة رسميّة). أضطرّ الرّئيس بورقيبة إلى الإعلان عن العودة إلى السعر الأصلي للخبز والإبقاء على الصندوق العامّ للتعويض.

5) 5- يبرز مؤشّر خدمة الدّين الخارجي/الاستثمار العمومي علاقة إجمالي خدمة الدّين الخارجي بحساب الدّينار إلى الاستثمار العمومي خلال نفس السّنة. نحصل على هذا المؤشّر بقياس: خدمة الدّين (بالدّينار الجاري) )) /الاستثمار العمومي (% المصاريف العموميّة/ ( 100) x (مصاريف الدّولة (%الناتج المحلّي الخام) /100) الناتج المحلّي الخام (بالدينار الجاري).

6) إجمالي الإنفاق العام على الصحة. حصة الإنفاق في مجال الصحة العامة من إجمالي الناتج المحلّي الخام. ويعادل الإنفاق على الصحة العامة إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة بالإضافة إلى الاستثمار (إجمالي تكوين رأس المال) في الصحة. ويمكن تعريف إجمالي الإنفاق الجاري على الصحة بأنه الإنفاق على : الخدمات العلاجية والتأهيلية والرعاية (العلاجات بالمستشفيات والعلاجات اليومية، والعلاجات الخارجية للمرضى والعلاجات بالمنزل) وخدمات الرعاية التمريضية طويلة الأجل (الاستشفاء ودور الصحة) والخدمات الإضافية المرتبطة بالعلاجات الصحية والمنتوجات الطبية التي يتم تقديمها للمرضى وخدمات الوقاية والصحة العامة وإدارة الصحة والتأمين الصحي.

7) مؤشر خدمة الدين / نفقات الصحة العموميّة هو معامل المبلغ السّنوي لخدمة الدين، المعبر عنه بالدينار، إلى مبلغ خدمة الدّين السّنوي بحساب الدينار إلى إجمالي النفقات العموميّة في مجال الصحّة. ونحصل على هذا المؤشّر بقيس = خدمة الدّين (الدينار الجاري) / )]نفقات الصحة العموميّة (% الناتج المحلّي الخام ) / 100) x الناتج المحلّي الخام (الدينار الجاري) [

8) مستويات التعليم الثلاثة بالإضافة إلى البحث العلمي والتكوين المهني.

9) حصة الإنفاق العام المخصص لجميع الفئات التعليمية (التصنيف المعياري الدولي للتعليم (المستويات من 0 إلى 7 من التصنيف المعياري الدولي للتعليم ISCED) من الناتج المحلّي الخام. ويشمل الإنفاق، نفقات التجهيز (الإنفاق على البناء والتجديد، والإصلاحات الرئيسية، وشراء المعدات الثقيلة أو المركبات) والنفقات الجارية (الإنفاق على السلع والخدمات التي تستهلك أثناء السنة الجارية، والتي تحتاج إلى تجديد في السنة الموالية).

10) المقصود هو جيل الانفجار الدّيمغرافي خلال عقد الثمانينات.

11) التفكيك الكامل للمعاليم الجمركيّة على المنتجات المصنّعة أصبح ساري المفعول بداية من 1 جانفي 2008. أما بخصوص الخدمات والمنتجات الفلاحيّة فإنّ الحماية لم يقع إزالتها تماما إلى حدّ الآن.

12) وزارة التنمية الاقتصاديّة والتعاون الدّولي. المعهد الوطني للإحصاء "التقرير السّنوي حول خصائص أعوان الوظيفة العموميّة لسنة 2004" تونس ، ماي 2006 الصفحة 24 (باللغة الفرنسيّة).

13) توظف هذه الرّسوم بالخصوص على السيّارات، والمحروقات، والتبغ والمشروبات الكحوليّة.

14) http://www.privatisation.gov.tn

15) نظام "شيّد وامتلك واستغلّ" أي نظام اللّزمات الذّي يتضمّن البناء والاستغلال ثمّ إرجاع المنشأة (عموما بعد مدّة استغلال تفوق 20 سنة) إلى الملك العامّ على اثر نهاية مدّة اللّزمة.

16) تقرير البنك المركزي التّونسي لسنة 2005. صفحة 102. ترجمة الكاتب.

17) البنك المركزي التّونسي: "نشريّة الظرف الاقتصادي" عدد 79، مارس 2008. (باللغة الفرنسيّة) (http : //www.bct.gov.tn)

18) ارتفع سعر الحليب "نسف دسم" بنسبة 20% خلال ستّة أشهر.

19) البنك المركزي التّونسي. التقرير السّنوي لسنة 2006. تونس جوان 2007.

20) البنك المركزي التّونسي. التقرير السّنوي لسنة 2006. تونس جوان 2007 بحساب الأورو (قيمة 1,7 دينار سنة 2006) يساوي متوسط الأجر الشهر الاسمي 388 أورو.

21) أي بحساب الأورو يساوي الأجر الأدنى الصناعي المضمون على التوالي 136 و 118 أورو و 4,2 أورو بالنسبة ليوم العمل الفلاحي.

22) منظمة الأمم المتحدة، صندوق الأمم المتحدة الإنمائي : "إستراتيجيّة تخفيض الفقر. دراسة ظاهرة البطالة في تونس" 1994، صفحة 38.

23) الإتحاد العامّ التّونسي للشغل "التقرير الاقتصادي والاجتماعي" المجلس الوطني، ديسمبر 2001، صفحة 115.

24) عبد الجليل البدوي: "التبديد الاقتصادي لميزانيّة الدّولة" نوفمبر 2003.

 

 

نسخةSize
نسخة497.63 KB